الغزالي
85
إحياء علوم الدين
ثم خلق هذا كله من النطفة وهي في داخل الرحم في ظلمات ثلاث ، ولو كشف لغطاء والغشاء وامتد البصر إليه لكان يرى التخطيط والتصوير يظهر عليها شيئا فشيئا ، ولا يرى المصور ولا آلته ، فهل رأيت مصورا أو فاعلا لا يمس آلته ومصنوعه ولا يلاقيه ، وهو يتصرف فيه ، فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه ثم انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته ، فإنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر ، كيف هداه السبيل حتى تنكَّس ، وتحرّك ، وخرج من ذلك المضيق ، وطلب المنفذ كأنه عافل بصير بما يحتاج إليه ، ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ، ثم لما كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف ، واستخرجه من بين الفرث والدم سائغا خالصا ، وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت منهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي ، ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا جدّا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدّة الجوع ثم أنظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخّر خلق الأسنان إلى تمام الحولين ، لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغنى عن السن ، وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ويحتاج إلى طعام غليظ ، ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن ، فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها ، فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثات اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثم انظر كيف رزقه القدرة ، والتمييز ، والعقل ، والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ، ثم شابا ، ثم كهلا ، ثم شيخا ، إما كفورا أو شكورا ، مطيعا أو عاصيا مؤمنا أو كافرا ، تصديقا لقوله تعالى * ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ من نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه ِ فَجَعَلْناه ُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناه ُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً ) * « 1 » فانظر إلى اللطف والكرم ، ثم إلى
--> « 1 » الدهر : 1 ، 2 ، 3